أهمية التفلسف في حياة الفرد والمجتمع 

 أ.د بومانة محمد *

   يستهجن الناس في المجتمعات المتخلفة – بشكل خاص –  فعل التفلسف ، لأنه في نظرهم القاصر ضرب من الكلام الغامض المدجج بالألفاظ غير المألوفة ، لذلك تجدهم لا يترددون في مقاطعة صاحبه بقولهم ” دعك من التفلسف ”  ، غير أنهم يدركون جيدا أن ذلك الاستهجان راجع بالأساس إلى عجزهم الفكري على السمو إلى المستوى العالي من التفكير ، لأنهم لم يتعودا إلا على الكلام السهل و المباشر .

   فعل التفلسف الحقيقي ليس فعلا مبهما أو عبثيا مثلما يدعي الكثيرون ، بل هو على خلاف ما يدعون ، فعل أصيل و منظم  يحاول من خلاله الإنسان  – في مستويات مختلفة – فهم ذاته و فهم العالم المحيط به ، فهو إذن ذلك ” النشاط العقلي الواعي الذي يحاول به الناس كشف طبيعة الفكر ، و طبيعة الواقع و معنى التجربة الإنسانية “1 

  إن محاولة فهم الذات و العالم نزعة متأصلة في الإنسان بما أنه إنسان ، فحتى الطفل الصغير يمتلك ذلك الميل إلى التفلسف ، غير أن المجتمع بمختلف أجهزته هو المسؤول عن تنمية ذلك الميل أو قمعه ، فما نشهده في مظاهر التسلط و القمع في مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية العربية مثلا ساهم بشكل كبير في تدني حال الفلسفة و ضمور فعل التفلسف ، فالتفلسف ابن الحرية ، لذلك ازدهرت الفلسفة قديما في أثينا الديموقراطية و غابت في إسبرطة العسكرية . 

و من هذا المنطلق ، دعا كانط –  وفق رؤية تنويرية عميقة – إلى ضرورة تعلم ممارسة التفلسف و التفكير الذاتي  و التجرؤ على استعمال العقل بدلا من الغوص والإبحار في تعلم تاريخ المذاهب الفلسفية المختلفة الذي لا يمنحنا إلا نمطا من التفكير الميكانيكي .

   فالتفلسف هو نشاط عقلي يجعل الوصول إلى الحقيقة غايته الأسمى و ليس مجرد اجترار لأقوال الفلاسفة و نظرياتهم ، فمثلما أن حفظ مئات القصائد الشعرية لا يجعل منك شاعرا ، فإن معرفة مختلف المذاهب الفلسفية القديمة و الحديثة لا يجعل منك فيلسوفا . 

    إن ممارسة التفلسف ، بما أنه تنشيط للعقل  وإعمال له ، هو تحقيق لإنسانية الإنسان ، لأن القوة العاقلة هي المكلفة بإدراك حقائق الأمور و التمييز الصحيح بينها ، و إذا عطل الإنسان تلك القوة و امتنع عن ممارسة التفكير  و خوض تجربة التفلسف فإنه ينزل إلى مستوى أدنى من منزلته الحقيقية بكثير . 

   و ذهب أرسطو إلى أن التفلسف متعة عقلية ، وهو الطريق إلى سعادة الإنسان التي لا تقوم إلا على فاعلية العقل من خلال ممارسته لوظائفه المتعددة كالتأمل و التدبر و التفكير و غيرها ، ف ” الحياة السعيدة إما أن تنشأ عنها أو أنها ( أي البصيرة الفلسفية ) هي نفسها الحياة السعيدة “2

  إن لتعاطي الفلسفة وممارسة فعل التفلسف ثمرة عظيمة  لا ينالها إلا المجاهد في سبيلها،ليس بالنسبة للفرد فقط ، بل للمجتمع الإنساني ككل ،  وهو ما أدركه ديكارت بقوله ” إنما تقاس  حضارة الأمم بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، ولذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين ” 3

 فالفلسفة والحضارة كانتا على الدوام متلازمتين ، و لازال الأمر كذلك حتى اليوم ، خاصة في المجتمعات المتحضرة التي تعتبر  الفلسفة بمثابة المشعل الذي ينير لها طريق المستقبل ، في حين أن ” المجتمعات التي لا تمتلك فلاسفة على الإطلاق أو تعتبر الفلسفة معوقا في طريق التقدم ، كما هو الشأن في أكثرية بلدان العالم الثالث ، هي التي تتعثر أكثر من غيرها في السير ، لأنها لا تمتلك المشعل المضيء ” 4

 المراجع : 

1- هنتر ميد : الفلسفة أنواعها مشكلاتها ، ت فؤاد زكريا ، القاهرة ، دار مصر للطباعة ، 1969 ، ص18

2- أرسطو : دعوة للفلسفة ، بيروت ، دار التنوير للطباعة و النشر و التوزيع ، ص59

   3–      ديكارت : مباديء الفلسفة ، ترجمة عثمان أمين ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية ، 1960 ، ص30  

4 –  عبد الله شريط : المشكلة الايديولوجية و قضايا التنمية ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، 1981 ، ص 9

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جامعة الجلفة – الجزائر